الحقيقة أن هذا موضوع كثر فيه الجدال ، و ترادف الناس فيه على قيل وقال .. ولكن سنتناوله إن شاء الله بهدوء ونتهامس فيه النقاش ونرى تاريخه وحاضره وما هي أدواته وأهدافه حاليا ؟
ولكن نريد فيه نقاشا غاية في البرودة بدون أن يأتي واحد منا فيرمي كلمتين عامتين ويجري
الحقيقة أن الأناشيد تاريخها ضارب في القدم ، وهذا ما لايعرفه الكثير منا .. وله أصل نرجعه
إليه .. أول ظهور الأناشيد كان في القرن الرابع الهجري ! وبدأ ظهوره لدى الجيل الأول من المتصوفة كما يحكي في ذلك العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه الماتع ( تحريم الغناء وآلات
اللهو والطرب ) بأن ظهورالغناء إنما كان في البدء متوقفا على تواشيح وأذكار جماعية تطورت إلى ألحان منظمة ، ثم تطورت إلى المقامات الغنائية المعروفة ، ثم تلاها ظهور الخنقاهات - وهي الربط التي يداوم المتصوفة على أذكارهم فيها ...( إنتهى ) .. ومن ذلك ما ذكره أيظا الإمام إبن الجوزي في كتابه المشهور ( تلبيس إبليس ) بأن التصوف إنما كان سابقا - أي قبل القرن الرابع الهجري - لا يتعدى إجتهاد العبّاد في الصلاة والصوم .. ثم بعد
ظهور الجنيد ورابعة العدوية تغير حاله إلى ظهور الربط .. ثم صار الذكر عندهم على التغبير والضرب بالقضيب .. إنتهى.. والتغبير والضرب بالقضيب عبارة عن ضرب عصيان
على الأرض فتحدث غبارا !! بل وأظن أن الأناشيد تاريخها أعرق من ذلك ! ربما مر على
كثير منكم حديث أبي موسى الأشعري في صحيح البخاري أنه لما قدم البصرة وجد قوما حليقي الرؤوس متحلقين في مسجد البصرة وواحد من بينهم يقول لهم : سبحوا عشرا فيسبحوا عشرا ، ثم يقول كبروا عشرا فيكبروا عشرا .. - وبما أن أباموسى توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو لازال شابا - ذهب إلى صديقه الحميم عبدالله بن مسعود رضي الله
عنهما فقد كان أكبر منه سنا وأقدم إسلاما وألزم لرسول الله منه فأخبره الخبر فقام معه ابن
مسعود حتى وقف على رؤسهم فقال : ما تصنعون ؟ قالوا نذكر الله .. فقال لهم : إما أنكم على سنة هي أهدى من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة \".
فذكر الكرماني والقسطلاني في شرح صحيح البخاري عن جماعة من أهل العلم بأن ذكرهم هذا كان بصوت واحد ! والشاهد من هذه المقدمة أن هناك علاقة وثيقة - واضحة بين الأناشيد والتصوف .. ومن المعلوم لدى الجميع بأن الأناشيد الإسلامية إنما كانت صوفية 100% قبل انتهاءها بهذه الصورة النهائية .. فمثلا الشاميون كانوا يسمونها (الموشحات)
والمصريون والجزيرة العربية ( المولد) أوالأفارقة السودانيون - بالخصوص- (المديح)
حتى ظهرت أناشيدنا هذه لأول مرة - على صورتها السنية الخالية من الشركيات في بدايات السبعينيات الميلادية .. وربما كان أشهرالمنشدين آنذاك (أبومازن)رحمه الله وكان صوته نديا يبعث على الكآبة و الحزن ( التراجيديا) - إن صح التعبير - .. وسبب هذه الكآبة أن الأخ أبومازن كان من الإخوان المسلمين ، وعاشوا وقتها أعظم محنة مع الطواغيت العرب . فكانت أناشيدهم تعكس ما يعانوه .. وفي ذات الوقت تعكس المبادئ التي قامت عليها الجماعة من الحلم بخلاص الأمة .. وإشارات للسجون والتعذيب ! وأمور كانت بنت الساعة وقتها .وبعد حرب رمضان تغير المسار الإنشادي من الكآبة إلى العناد والتصميم على الإنطلاق !من ذلك أناشيد (أبوراتب) حتى بدايات الثمانينيات.. وحتى ذلك الوقت كانت الأناشيد مقتصرة على المصريين والشاميين ... ولكن مع منتصف الثمانينيات عندما ضرب الإعلام بجناحيه على المنطقة وتوافرت المواصلات - من الجمال والسفن - إلى السيارات والطائرات وصلت تنظيمات الإخوان المسلمين إلى دول الخليج العربي .. فشاركت الكويت والبحرين وظهرت معها أناشيد (سنام الإسلام ) من الكويت ، وظهرت (أناشيد البحرين)الرائعتين !وكان إنتاج الكويتيين خصبا جدا وقتها ..فظهرت ألبومات (وأعدوا) و(حي على الجهاد) ولما دخل السعوديون من هذا الباب سدوا الأفق .. إلا أن دخولهم كان متأخرا ، بعد عام 1990 ولكن هذه المرة مع شمولية إسلامية أكبر ، ومع إشارات للتوحيد ، ووضوح معلم
الجهاد في سبيل الله بنقاء تام .. وحتى فترة قريبة جدا كان السعوديون هم الممسكون بخطام هذا الفن - الأناشيد- .. فصار الهم هو خلاص المسلمين كلللهم ولا يتم هذا إلا بالدم .. ولعل
هذا كان شعارا أسكت كل خطيب .. وأجمعت عليه كل الإتجاهات الإسلامية .. ولكن ......
مع أواسط التسعينيات ظهرت أشياء غريبة مريبة في هذا الفن ! ظهرت (الديسكو الإسلامية)
وعلى استحياء بدأ الخبث يختلط في الأناشيد فأدخلوا شوية طبول إلكترونية !ثم بدأوا يخلطون
بعض (الأورج) مع خلفيات أصوات المنشدين .. وبعدها خلعت الداعرة ثيابها .. فظهرما
عرف الان ب(الديسكوالإسلامي) كأنك في حفل صاخب في أمريكا :confused: .. ومن أوائل ما ظهرت بهذا الخزي أغنية (لعيون القدس نغني) ثم (في القلب) 1993 فتغير الإنتاج مع تغير
الهدف ! قديما كان الهدف دعويا-الحقيقة - وكل واحد يقدم على طريقته بغض النظر عن قربه
من الصواب المحض ، إلا أنهم كانوا يعملون محتسبين للإسلام .. ولكن مع هذا الملعون (الديسكو) صار الأمر نوع من التجارة .. لأن الغناء الماجن صارت شروط المكسب فيه
مستحيلة .. ضرب هؤلاء (الصيادون في الماء العكر) على وتر التدين والأناشيد الإسلامية
مع أنه غناء وطبول وموسيقى100% مهما أسموه .. ولاقى ذلك رواجا سببه الجهل المطبق
في هذه الأمة (الأمية) - لأنه صح عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: \" نحن أمة أمية ، لا نقرأ \" .... فصدق الناس كذبة الاناشيد وما هي إلا أغاني ككل الاغاني المحرمة
عدا أنها لا تحتوي على مجون وفجور في الحديث فقال الناس مادام هذا فيه عزف مثل تلك
فلنسمعه ... ولا علينا من هذا فالبحث فيه طويل ..... ولكن المقصود هو تطورالنشيد كيف ؟
ثم مع القرن الحالي صار الأمر تجاريا صريييحا بلا اية تورية .. فمثلا مجموعة إصدارات
(سنا) غنتها الفتاة - سابقا - إلهام أحمد - طائر النورس و الأرض الطيبة ووو الخ .. حوالي سبع إصدارت كان كل إصدار له ثلاثة أنواع .. نوع خالي من المعازف المحرمة وهذا (للأطفال المطاوعة )
الهيصة من طبول وأورج وجيتار ووو وهذا ( لعامة الناس ) وهو ذو أكبر مبيعات .. وطبعا
صارت تنتج هذه الإصدار شركات متخصصة - لا شباب بجهد شخصي كالسابق - !! ثم شاء
الله - ولله في ذلك حكمة - أن تظهر بدعة أقبح وأوقح وهو خلط صوت فتاة كبيرة - بوضوح-
مع صوت رجل و بكاااامل الضغط الموسيقي - وهذا منذ سنتين - وتظهر أناشيد (ياطيبة)
لتفجر القنبلة الهيدروجينية وتأتي على كل إعتبارات المجاملة والتورية والتصنع .. والتظاهر
بثوب الإسلام .. فصار الأمر تجاااااارة بالعربي الفصيح !! بل أن الأخيرة هذه طلعت منها
ثلاث أنواع - بدون معازف وبدف وبديسكو- والنوع الرابع هو بصوت أقل تكسير وحبس
لحرية اللعب بالأوتار الصوتية - للأطفال المطاوعة وربما لآبائهم أيظا - يعني شوية حشمة تجارية .. وفي الختام .. الان ... وما دام الأمر على هذا ... فمن كان سامعا ولا بد فلا يسمع
لهؤلاء المجرمين المفترين المتاجرين بديننا تحت أية تسمية تروق لنا .. فإن كنت سامعا فاسمع ماخلا من هذا السم ... والحقيقة أنا الان لا أستغرب أن يظهر في أقل من خمس سنوات مصائب جديدة ..مثل (روك إسلامي ) أو (راب إسلامي ) ولا أستغرب بعد عشر سنوات أن يقول لي أحد أنه طلع حاجة إسمها ( أفلام إباحية إسلامية ) ..
اللهم ارحمنا برحمتك .... اللهم حسن الخاتمة ....